الآلوسي
161
تفسير الآلوسي
كان * ( منَ ا الْقُرُون ) * أي الأقوام المقترنة في زمان واحد * ( من قَبْلكُمْ أُوْلُواْ بَقيَّة ) * أي ذوو خصلة باقية من الرأي والعقل . أو ذوو فضل على أن يكون - البقية - اسماً للفضل والهاء للنقل ، وأطلق عليه ذلك على سبيل الاستعارة من البقية التي يصطفيها المرء لنفسه ويدخرها مما ينفعه ، ومن هنا يقال : فلان من بقية القوم أي من خيارهم ، وبذلك فسر بيت الحماسة : إن تذنبوا ثم يأتيني ( بقيتكم ) * فما علي بذنب عندكم فوت ومنه قولهم : في الزوايا خبايا . وفي الرجال بقايا ، وجوز أن تكون البقية بمعنى البقوى كالتقية بمعنى التقوى أي فهلا كان منهم ذوو إبقاء لأنفسهم وصيانة لها عما يوجب سخط الله تعالى وعقابه ، والظاهر أنها على هذا مصدر ، وقيل : اسم مصدر ، ويؤيد المصدرية أنه قرىء * ( بقية ) * بزنة المرة وهو مصدر بقاه يبقيه كرماه يرميه بمعنى انتظره وراقبه ، وفي الحديث عن معاذ بن جبل قال : " بقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تأخر صلاة العشاء حتى ظن الظان أنه ليس بخارج " الخبر أراد معاذ انتظرناه ، وأما الذي من البقاء ضد الفناء ففعله بقي يبقى كرضى يرضى ، والمعنى على هذه القراءة فهلا كان منهم ذوو مراقبة لخشية الله تعالى وانتقامه ، وقرئ * ( بقية ) * بتخفيف الياء اسم فاعل من بقي نحو شجيت فهي شجية . وقرأ أبو جعفر . وشيبة * ( بقية ) * بضم الباء وسكون القاف * ( يَنْهَوْنَ عَن الْفَسَاد في الأَرْض ) * الواقع فيما بينهم حسبما ذكر في قصصهم ، وفسر الفساد في البحر بالكفر وما اقترن به من المعاصي * ( إلاَّ قَليلا مِّمَّنْ أَنْجَينَا منْهُمْ ) * استثناء منقطع أي ولكن قليلاً منهم أنجيناهم لكونهم كانوا ينهون ، وقيل أي : ولكن قليلاً ممن أنجينا من القرون نهو نهوا عن الفساد وسائرهم تاركون للنهي ، و * ( من ) * الأولى بيانية لا تبعيضية لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم بدليل قوله سبحانه : * ( أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ) * ( الأعراف : 165 ) وإلى ذلك ذهب الزمخشري ، ومنع اتصال الاستثناء على ما عليه ظاهر الكلام لاستلزامه فساد المعنى لأنه يكون تحضيضاً - لأولى البقية - على النهي عن الفساد إلا للقليل من الناجين منهم ، ثم قال : وإن قلت : في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم فكأنه قيل : ما كان من القرون أولو بقية إلا قليلا كان استثناءاً متصلاً ومعنى صحيحاً وكان انتصابه على أصل الاستثناء وإن كان الأفصح أن يرفع على البدل ، والحاصل أن في الكلام اعتبارين : التحضيض . والنفي ، فإن اعتبر التحضيض لا يكون الاستثناء متصلاً ون المتصل يسلب ما للمستثنى منه عن المستثنى أو يثبت له ما ليس له ، والتحضيض معناه لم ما نهوا ، ولا يجوز أن يقال : إلا قليلا فإنهم لا يقال لهم : لم ما نهوا لفساد المعنى لأن القليل ناهون وإن اعتبر النفي كان متصلا لأنه يفيد أن القليل الناجين ناهون ، وأورد على ذلك القطب أن صحة السلب . أو الإثبات بحسب اللفظ لازم في الخبر وأما في الطلب فيكون بحسب المعنى فإنك إذا قلت : اضرب القوم إلا زيداً فليس المعنى على أنه ليس أضرب بل على أن القوم مأمور بضربهم إلا زيداً فإنه غير مأمور به فكذا هنا يجوز أن يقال : * ( أولو بقية ) * محضوضون على النهي * ( إلا قليلاً ) * فإنهم ليسوا محضوضين عليه لأنهم نهوا فالاستثناء متصل قطعاً كما ذهب إليه بعض السلف ، وقد يدفع ما أورده بأن مقتضى الاستنثاء أنهم غير محضوضين ، وذلك إما لكونهم نهوا . أو لكونهم لا يحضون عليه لعدم توقعه منهم ، فإما أن يكون قد جعل احتمال الفساد إفساداً أو ادّعى أنه هو المفهوم من السياق ، ثم إن المدقق صاحب الكشف قال : إن ظاهر تقرير